ابن الجوزي
71
صيد الخاطر
وقد نص أحمد على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو عورة ، يشير إلى ما يزيد على الوجه « 1 » ، ومن أمكنه أن يؤخر العقد أو شراء الجارية لينظر كيف توقان قلبه ، فإنه لا يخفى على العاقل توقان النفس لأجل المستجد ، وتوقانها لأجل الحب ، فإذا رأى قلق الحب أقدم . فإنه قد أخبرنا محمد بن عبد القادر البزار قال أخبرنا حمد بن أحمد ، قال أخبرنا أبو نعيم ، قال حدثنا سليمان بن أحمد ، قال حدثنا عبد الجبار بن أبي عامر ، قال حدثني أبي ، قال حدثني خالد بن سلام ، قال حدثنا عطاء الخراساني قال : مكتوب في التوراة كل تزويج على غير هوى « 2 » حسرة وندامة إلى يوم القيامة . ثم ينبغي للمتخير أن يتفرس الأخلاق فإنها من الخفي فان الصورة إذا خلت من المعنى كانت كخضراء الدمن ، فان نجابة الولد مقصودة ، وفراغ النفس من الاهتمام أصل عظيم يوجب اقبال القلب على المهمات . ومن فرغ من المهمات العارضة أقبل على المهمات الأصلية . ولهذا جاء في الحديث : « لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان » . و « إذا وضع العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء » . فمن قدر على امرأة صالحة في الصورة والمعنى فليغمض عن عوراتها ، ولتجتهد في مراضيه من غير قرب يملّ ، ولا بعد ينسي ، وتقدم على التصنع له يحصل الغرضان منها : الولد وقضاء الوطر ، مع الاحتراز الذي أوصيت به ، تدوم الصحبة ويحصل الغناء بها عن غيرها . فان قدر على الاستكثار فأضاف إليها سواها عالما أنه يبلغ الغرض الذي يفرغ قلبه زيادة تفريغ كان أفضل لحاله ، فان خاف من وجود الغيرة ما يشغل القلب الذي قد اهتممنا بجمع همته ، أو خاف وجود مستحسن يشغل قلبه عن ذكر الآخرة ، أو يطلب منها ما يوجب خروجه عن الورع ، ويدخل فيما أوصيت به أنه « يبعد في المستحسنات العفاف » فليبالغ الواجد لهن في حفظهن وسترهن ، فان وجد ما لا يرضيه عجل الاستبدال فإنه سبب السلو ، فان قدر على الاقتصار فان الاقتصار على الواحدة أولى . فان كانت على الغرض قنع ، وإن لم تكن استبدل .
--> ( 1 ) ليس في المعروف من مذهب أحمد جواز ذلك . ( 2 ) أي ميل من القلب لا الهوى بمعنى العشق ، على أن ذلك لا أصل له وليس في التوراة ، ولو كان فيها لما أخذنا به لأنه مخالف لما عندنا .